السيد محمد باقر الصدر

429

بحوث في علم الأصول

يكون الخطابان كما لو تقارنا زمانا ، فكما لا يستشكل في التخصيص في صورة تقارن العام والخاص ورودا ، فكذلك في محل الكلام ، لأنّ نفس النكتة المستدعية للتخصيص مع التقارن - وهي أنّ العمل بالعام يكون موجبا لإلغاء الخاص رأسا ، بخلاف العكس - تستدعيه مع تأخر العام صدورا ، إذن فنفس النكتة المستدعية للتخصيص في سائر الموارد تستدعيه هنا أيضا . وهذا البيان صحيح ، ويعتمد عليه في بيان تقديم التخصيص ، لأنّه من الواضح انّ الخطابات الصادرة عنهم عليهم السّلام ، هي بحسب ظهورها العرفي ، ناظرة إلى إثبات متعلقاتها في زمن التشريع ولو باعتبار ارتكازيّة انّه لا تشريع بعد زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فيكون هذا الارتكاز قرينة على الظهور في ذلك المعنى . لكن هذا البيان لا يتم في بعض الحالات ، وذلك ، كما لو فرضنا انّ الخاص والعام معا كانا واردين في زمن صدور التشريع في عصر وجود النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أو في القرآن الكريم ، بأن ورد الخاص في السنة الأولى من الهجرة ، ثم ورد العام في السنة الخامسة منها ، فهنا ليس في هذه الخطابات القرآنية قرينة لبيّة عامة تستدعي أن يكون نظرها جميعا إلى نقطة زمنيّة واحدة ، وليس في العام ظهور في انّه ناظر إلى السنة الأولى ، لوضوح أنّ الشريعة في دور النزول شيئا فشيئا كانت في دور التكامل شيئا فشيئا ، فهي لم تكتمل عناصرها إلّا بعد انتهاء الوحي ، وعليه ، ففي فترة نزول الوحي كل خطاب يصدر منه يكون ظاهرا في تعيين مفاده من حين صدوره ، وليس له ظهور في انّ مفاده ناظر إلى ما قبل ذلك إلّا بعناية ، إذن فهذا البيان لا يتم هنا ، وحينئذ لا يتعيّن التخصيص ، وتبقى المشكلة موجودة وبحاجة إلى جواب آخر . الجواب الثاني : وهذا الجواب ، يرتبط بالمسلكين الأول والثالث القائلين بأنّ اصالة عدم النسخ ، واصالة عدم التخصيص ، مرجعهما إلى ظهورين لفظيين عرفيين ، وهما متعارضان ، وحينئذ يقال : بأنّه لو سلّمنا وتنزلنا عن الجواب الأول وافترضنا وقوع معارضة بين إطلاقي وظهوري الخاص والعام - ظهور الجديّة في الخاص ، وظهور العام في العموم - إلّا انّنا